الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٥القسوة حاصلة فيهم قبل القصة وأثناءها، وبعدها إن قلنا إن الاشارة بذلك خاصة بهذه القصة بالذات، كما أنها حاصلة فيهم في جميع
6
أحوالهم وهم يرون آيات الله تعالى، وينعمون تارة بلطف آلائه ويتململون أخرى تحت وطأة بلائه إن قلنا إن الإشارة شاملة لكل ما سبق
ذكره عنهم من إنجائهم من عدوهم، وابتلائهم مرة بالنعم وأخرى بالنقم، وينجلي عنكم غيم هذا الإشكال عندما تعلمون أن البعدية لا يلزم أن تكون زمانية بل تكون أيضا باعتبار بعد الوصف الذي يليها في الذكر في درجات الخير أو دركات الشر، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ولا تطع كل حلافٍ مهين هما مشاء بنميم مناع للخير معتدٍ أثيم عتل بعد ذلك زنيم} (القلم: 10 - 13)، فإن كونه عتلا وزنيها سابق في الوجود على الأوصاف المتقدمة في الذكر، لأنهما صفتا ذات،
وتلك صفات فعل، وإنما ذكرا إثر (بعد» للاعتبار الذي ذكرته والقسوة الشدة والصلابة، وهي وضعا خاصة بالأجسام كالصخر
والحديد، ثم استعملت في المعاني كالعقل والوجدان، وهما المعبر عنهما بالقلوب هنا، وفي كثير من آيات القرآن، وطريقة هذا الاستعمال ما يسمى الاستعارة بالكناية، فإن من شأن الأجسام القاسية كالصلد والحديد أن لا يتخللها الماء ولا الهواء، وكذا القلوب المراد بها العقل والوجدان، فإن الموعظة والتذكير لا يجدان إليها سبيلا، فأشبهت الأجسام الصامتة وقد شاع هذا الاستعمال وصار مجازا مشهورا لا يحتاج إلى قرينة حتى عده بعضهم حقيقة عرفية
- {90 -