جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

ه ـ الإعجاز الإئتلافي

لقد كان نزول القرآن الكريم في ثلاث وعشرين سنة: ثلاث عشرة منها بمكة، وعشر بالمدينة، وكان يواجه في نزوله ظروفا مختلفة، ويعالج مشاكل متنوعة، ويقاوم تحديات متجددة، وتأتي فيه ألوان من القضايا، فقيه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والوعظ والتذكير، والقصص والأمثال، وخبر الماضي والحاضر والمستقبل، ومع ذلك فإن بعضه يشد بعضا، لاتجد فيه ما يدل على التناقض أو يشير إلى الاختلاف، ولو كان كلام بشر لتعذر أن يصل إلى هذا الحد من الائتلاف والترابط، إذ ليس من المعقول ألا يُسجل على كلام إنسان في ظرف عقدين من السنين شيء من التناقض والاختلاف لا سيما وهو يواجه أحوالا متباينة.

الاختلاف

ويتعرض لردود مختلفة، ويتحدث عن موضوعات متعددة، وتستطيع في الجلسة الواحدة أن تجد في كلام الإنسان كثيرا من والتناقض، وتجد النبغاء الماهرين يؤلفون كتابا في موضوع بعينه، سواء أكان دينيا أم فلسفيا أم علميا أم أدبيا، فإذا أخذت تقلب صفحاته وجدت فيه كثيرا من الاختلاف، بل كل كاتب أو مؤلف كلما أعاد النظر فيما كتب أو ألف وجد كثيرا من النقائض التي تستدعي الإصلاح، بينما الكتاب العزيز لا يعثر أحد من المبصرين المنصفين بين سوره واياته على ما يمكن أن يُعد اختلافا أو تناقضا، والله (سبحانه) يثير انتباهنا إلى ذلك بقوله لو أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كثيرا ما النساء النساء (82) وإذا كان هنالك من المستشرقين من يزعم أنه عثر على شيء مما يعده تناقضا في القرآن فإن ذلك ناتج عن أحد أمرين، إما قصر الفهم

1