الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٢٤والإعراض الصد، ويكنى به عن الإهمال فإن من شأن المكترث بالشيء أن يلتفت إليه بخلاف مهمله فجملة: وأنتم معرضون حالية مؤكدة للمعنى الذي تفيده جملة: توليتم مع إفادة أنهم في توليهم لا يلوون على شيء ولا ينثنون عن ضلالهم، فقد يتولى أحد ـ أي ينصرف ـ عن شيء مع قصد العودة إليه، ولكن جملة الحال هنا تفيد انتفاء هذا القصد، بل انتفاء تراجعهم رأسا
الخاصة ـ ولم
ومنشأ هذا التولي غرور خاصتهم وجهل عامتهم، فالخاصة غرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور، فطمعوا في غفران خطاياهم، لأنهم من سلالات الأنبياء، ولأنهم أوتوا علم الكتاب فحرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وشرعوا لأنفسهم ولقومهم ما لم يأذن به الله، فهجروا الكتاب الذي أنزل إليهم، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم؛ والعامة تلقوا دينهم من أفواه الرجال ـ وهم يرجعوا في فهمه إلى أصوله فقبلوا منهم تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتعلقوا معهم بأذيال الأماني، فاقتادهم الهوى الى محارم الله، فكانوا سلفا ومثلا للذين يأتون من بعدهم، وهم ينهجون نهجهم في تعطيل أحكام الدين، اتباعا للشهوات، وتصامما عن الوعيد، كما هو الشأن في المغرورين من هذه الأمة بالأماني الباطلة يغدون ويروحون في معاصي الله، وهم جازمون بأنهم سيتبوأون في جنته منازل السعداء الأبرار، كأن مسامعهم لم تطرقها نذره، فلم يلتفتوا إلى قوله: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين
كالفجار (ص: 28)
-- OYE -