الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٤الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صفتان الله تعالى اشتقاقهما من الرحمة وهي
انفعال نفسي يحمل صاحبه على الإحسان إلى غيره وهو محال على الله بحسب المعنى المعروف في البشر لأنه في البشر ألم يلم بالنفس لايشفيه إلا الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، وإنما يحمل وصف الله تعالى بالرحمة على أثرها وهو الإحسان ومثل هذا مألوف عند العرب، وكون صفتي «الرحمن الرحيم» مشتقتين من الرحمة هو رأي الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن «الرحمن» اسم وليس بصفة وأنه غير مشتق لأنه لوكان مشتقا من الرحمة الجاز اتصاله بالمرحوم فيقال: الله رحمن بعباده كما يقال رحيم بعباده، وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعته إذ لم يكونوا ينكرون رحمة، وقد قال الله عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمن نهر الفران (20) واستدل ابن العربي بقولهم «وما الرحمن» ولم يقولوا ومن الرحمن على أنهم جهلوا الصفة دون الموصوف واعترضه ابن الحصار محتجا عليه بقوله تعالى: ووَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمن من الرعد (20) ويؤيد رأي الجمهور ما رواه الترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله يقول: (قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها
اسما
من
رهم
اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته) وليس في عدم اتصاله بذكر المرحوم مايدل على عدم الاشتقاق فإنه استدلال سلبي في مقابلة الدليل الثبوتي، وإنكار العرب للرحمن ناشيء عن تعنتهم في الكفر وإصرارهم على التكذيب وإلا فقد كانوا غير جاهلين به، كيف! وقد ورد في أشعارهم كما ذكره ابن جرير، ومنه قول أحد الجاهلية الجهلاء:
ألا
ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقول سلامة بن جندب الطهوي:
- YA-