جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

وبالإستعانة بصيغة الخطاب المشعرة بالحضور، والخروج بالكلام من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الخطاب هو المعروف عند علماء البلاغة بالالتفات ويكون أيضا بالخروج عن التكلم إلى الخطاب أو العكس وبالخروج عن الخطاب إلى الغيبة أو التكلم وهكذا .. ولا يعنينا هنا بحث مسائل الالتفات فإن ذلك من اختصاص علم البلاغة وانما يعنينا بحث النكتة التي يجاء به لأجلها، وقد ذكر علماء البلاغة نكتة عامة له وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط السامع والمتكلم، وقد تنضم إليها نكت خاصة بحسب المقامات، وللمفسرين والبلاغيين سباق في إظهار النكت التي تناسب هذا المقام، منهم من قال: لما ذكر الحقيق بالحمد ووُصف بصفات العظمة التي تميزه عن غيره تعلقت معرفة القلب بمعلوم متميز خوطب بذلك ليكون أدل على الإختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والإنتقال من الغيبة إلى الشهود فكأن المعلوم صار عيانا، والمعقول مشاهدا، والغيب حضورا، وقيل: لما شرح الله تعالى صدر عبده بالإسلام وأفاض على قلبه نور الإيمان ترقى بسلم الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى مقام الإحسان وهو (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك وأيضا حقيقة العباده هو الإنقياد المطلق من النفس لأحكام المعبود، وصورة هذا الإنقياد وقالبه الإسلام، ومعناه وروحه الإيمان، وسره وغايته الإحسان، وبالإلتفات في (نعبد) يصل العبد عبر المرحلتين السابقتين إلى المرحلة الثالثة، وذكر الألوسي «بأنه يحتمل أن يكون السر أنّ الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء، والثناء في الغيبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى»، وقيل غير ذلك

•

والعبادة لغة بمعنى الذل، يقال: عبد إذا ذل، وعُبد إذا ذلل، ومنه قوله تعالى: وأَن عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) الحمراء (26) ويقال طريق معبد إذا وطئته الأقدام حتى ذللته، ومنه قول طرفة بن العبد:

244 -