الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤هذا كلام
الأستاذ في العبادة، وهو يفيد أن معني العبادة لايتم إلا مع استشعار عظمة المعبود التي لا تكتنه، وقدرته التي لاتحد، وهو صحيح بالنظر إلى العبادة الصحيحة الواجبة الله تعالى، ولكن لا يمنع أن يطلق اسم العباده على تعظيم أحد لغيره تعظيما يخرج به عن حدود استحقاق البشر، ويدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله مع أنهم لم يكونوا يعتقدون لهؤلاء الأحبار والرهبان القدرة المطلقة التي لا تُحد، والعظمة الباهرة التي لاتكتنه، وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم أنه سمع رسول الله الا الله يتلو قوله سبحانه: {إِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله المية) ـ وكان امرأ قد تنصير فقال له إنهم لم يعبدوهم، قال
-
-
له: «بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» فإذا كان اتباع الإنسان على تحليله الحرام وتحريمه الحلال عبادة فما بالك بما يكون من مخلوق لمخلوق مثله من تعظيم لا يليق إلا بمقام الألوهية. هذا والعبادة هي الغاية التي لأجلها خلق الإنسان، قال تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون كل الساعات (96) ومن هنا كانت فطرة كل إنسان داعية إليها لما تستشعره من الفراغ الروحي والخواء النفسي بدونها، ومن كانت العبادة تلبية لنداء الفطرة الذي يجلجل من أعماق النفس الإنسانية، وإنما الفطرة وحدها لا تستطيع أن تهتدي إلى العبادة الصحيحة ولذا فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه لتوجيه هذه الفطرة إلى الصراط المستقيم، وما من رسول إلا وكانت دعوته الأولى في قومه إلى إفراد الله تعالى بالعبادة لله وما أرسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعْبُدُونِ الايا، (20) والعبادة الخالصة لله تعالى توائم بين حركتي الإنسان الاختيارية والاضطرارية، فجسم الإنسان تُعد خلاياه بملايين الملايين، وكل
ثم
248 -