الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣بالعبادة، فإن من معنى العبادة الشعور بأن السلطة الغيبية التي هي وراء
، كما تنطق
الأسباب العامة الموهوبة من الله تعالى لعباده كافة هي الله وحده به الآية التي استشهدنا بها آنفاً على قرن العبادة بالتوكل فمن كان موحدا خالصا لايستعين بغير الله تعالى قط، فما كان من أنواع المعونة داخلا في حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من الله تعالى ولكنه يحتاج في تحقيق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبى وما كان غير داخل فيها يتوجه في طلبه إلى الله تعالى بلا واسطة ولا حجاب
قال: وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن الله تعالى بل الكمال والأدب في الجمع بينهما، فالسيد المالك إذا نصب لعبيده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا وجعلهم خدما يقومون بأمرها لايكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى أن لا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي
الأشياء
،
المائدة، وإنما ينبغي أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للاكلين عليها، ولاعن حمده وشكره وهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته فالعبد إذا احتاج شيئا من التي لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده في كل وقت طلبه منه دون سواه، فإن أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه حيث جعل ذلك الغير في مرتبته أو أجدر منه بالفضل، قال: هذا في العبيد السادة مع الذين لهم نظراء وأنداد فكيف إذا كان العبد الذي يتوجه إلى غير مولاه لايجد من يتوجه إليه سواه إلا أمثاله العبيد المحتاجين إلى المولى مثله لأنه من السيد الصمد الذي ليس له كفوا أحد، وأتبع ذلك قوله أن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الرب تعالى الإعانة على شيء له فيه كسب ليعينه على القيام، به وفي هذا تكريم للإنسان بجعل عمله أصلا في كل ما يحتاج إليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب ليس
هو
- YOy -