جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٦٦

وإن تعجب فعجب إدراجه الآيتين الأخيرتين فيما مثل له من

إطلاق الرزق - مجازا حسب قوله ـ على غير ما أوتيه الجنس البشري، فإن الضمير في قوله تعالى: وجد عندها رزقا عائد إلى مريم - عليها السلام - والخطاب في قوله: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إنما هو لصاحبي السجن اللذين دخلاه مع يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ، والجميع من الجنس البشري

ونحن لا نسلم لهذه المجازية التي يدعيها في هاتين الآيتين وفيها قبلهما، فإن حمل الألفاظ على المجاز لا يكون إلا مع القرائن الصارفة لها عن حقائقها. وإذا عرفت أن الغاية من الرزق هي المنفعة أدركت أن الحيوان مرزوق حقيقة لأنه ينتفع برزقه، على أن قوله سبحانه: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، يدخل في عموم مدلوله الإنسان؛ لصدق مفهوم الدابة لغة على كل ما يدب على الأرض، وإذا كان إطلاق الرزق على منافع الانسان حقيقة وعلى منافع الحيوان مجازا، لزم أن يكون لفظه في الآية حقيقة ومجازا في آن واحد، وهو مردود عند أهل التحقيق، ويؤكد أن الرزق ليس من اختصاص الإنسان قوله تعالى: وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) (1).

ومذهبنا ومذهب الأشاعرة وجمهور الأمة أن الرزق يشمل الحلال والحرام، كما تقدم ذكره في التعريف المنسوب إلى بعض الأشاعرة، وهذا لأن الحل والحرمة إنما هما بالنظر إلى العبد المرزوق

1 - سورة العنكبوت: الآية (60)

- 177 -