الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٠وانتقد القطب رحمه الله هذين الرأيين لما فيهما من الجمع بين الحقيقة والمجاز، واختار ما تقدم ذكره من أن الايمان بما أنزل يقتضي الايمان بما سوف ينزل، وهو الذي يقتضيه كلام المحقق ابن عاشور، إذ يرى أن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا توقع إيمانهم بما سينزل، لعدم احتياج ذلك إلى الذكر، فإنه من المعلوم أن الذي يؤمن يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول، لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكونان في أول الأمر، فإذا زالا بالايمان أمن من الارتداد، كما قال هرقل: وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب. فالايمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب، وهي الدلالة الأخروية، وليس هو مدلولا للفظ الماضي بطريق التغليب، ولكنه مراد من الكلام (1).
الإيمان بالقرآن الكريم وأثره:
والايمان بما أنزل على النبي التي يجب أن يكون إيمانا تفصيليا، بحيث يقصد المؤمن بإيمانه الكتاب المنزل إليه للاعجاز والهداية الذي رقم في المصاحف وتناقلته الألسنة بالتواتر.
أما الايمان بما أنزل من قبل على سائر الرسل فيكفي أن يكون إيمانا إجماليا، بل هذا هو الواجب نظرا إلى أن المنزل إليهم لم يبق كما هو، بل دخله التحريف والتبديل، فليس ثم شيء معين مما أنزل إليهم باقيا على ما كان عليه حتى يقصد بالايمان، وهذا أحد سببين
1 - التنوير والتحرير، حـ 1 ص 238، ص 239 ط الدار التونسية للنشر، (بتصرف).
- Y …