جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٨

القرآن الكريم يتفق ومطالب كل عصر

علله ويشفي

6

ولقد ظل القرآن الكريم طوال أربعة عشر قرنا خلت منارة شامخة تسطع على الدنيا لا يهزها تتابع أعاصير الأفكار المختلفة ولا يرجها طغيان فيضانات المعارف المتنوعة التي محت كل رسم من رسوم الفلسفات السابقة وأتت كل أثر من آثار الثقافات القديمة، بل كان ذلك كله مما يزيد برهانه وضوحا وإعجازه سطوعا،، وأعجب ذلك أن من يواجه القرآن كل جيل من أجيال هذه القرون المتتابعة بما يحل مشاكله ويروي فكأنما أنزل على كل جيل إنزالا جديداً بقدر مقاييس عقله ومعايير فكره، وأطوار حياته ومطالب عصره حتى إنه ليخيل للناشيء في أي زمان وفي أي مكان أنه لم يُنزل إلا ليشفي أمراض المجتمع الذي هو فيه لأنه يراه كالثوب الذي فُصل بقدر قامة مجتمعه، ذلك لأن الله جعله نبعا نورانيا يروي كل نفس ويتدفق بكل دهر، ولعمري ما ألفاظ القرآن إلا كلمات نورانية تجلت من الغيب فتألقت في أفق البيان كما تتألق النجوم في أفق الفضاء وإنما الفارق بين تلك وهذه أن تلك تهدي الأبصار وهذه تهدى البصائر، وأن تلك من شأنها الأقول وهذه لا تغور ولا تزول، فالقرآن يصلنا بالغيب ويعكس لنا حقائق الوجود، وينير لنا الحياة مهيع، ويمدنا بعطائه الذي لا ينفد بعبارات لا ترقي إليها ملكات البشر إلا بقدر ما ترقى الأبصار إلى النجوم، وكلما حاول محاول سولت له نفسه أن يأتي بمثله انتكس على أم رأسه وكان مثار السخرية والاستخفاف إلى يوم الدين، ومن ثم أحجم كفرة قريش الماردون بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة والوليد بن المغيره وأبي جهل ابن هشام عن الاقتراب من معارضته ولم تسول لهم أنفسهم ذلك لأنهم يدركون أنهم لو حاولوا ذلك لما كان منهم إلا الإسفاف الذي يربئون بأنفسهم

كعتبة