الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣١٢سبب إمهال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين:
هذا وقد يتساءل من يسمع قصة المنافقين ومعاملة رسول الله لهم عن السبب في إمهالهم وترك قتلهم مع ظهور أمرهم وانكشاف سرهم بشواهد حالهم، وما كان ينزل فيهم من آيات القرآن شارحا لأحوالهم ومشيرا إلى ما يشخصهم من الصفات؟ وقد أجيب عن هذا التساؤل بأربعة أجوبة:
أولها: أن حالهم لم يكن مكشوفا لعامة الناس، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلمه وحده يعرف حقيقة أمرهم، وليس للحاكم أن يقتل بعلمه باتفاق، وإن أجاز له بعض العلماء الحكم بعلمه فيها دون القتل، واعترض هذا الجواب ابن العربي في أحكام القرآن بأن النبي قتل الحارث بن سويد بن الصامت لقتله المجذر بن زياد غيلة يوم
أحد لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بأمره فقتله به، ورد القرطبي هذا الاعتراض بأن الإجماع إن ثبت لا يَنقُضُهُ ما ذكر فإن انعقاد الإجماع لا يكون إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، ولا يبعد أن تكون هذه القضية واقعة حال أو منسوخة بالإجماع. ثانيها: أن ترك قتلهم لأن الزنديق ـ وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان - يستتاب ولا يقتل، أجاب به بعض أصحاب الشافعي، ووهنه ابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم إذ لم يرو ذلك علمه أحد عنه، وكان يعرض عنهم ولا يتعرض لهم مع
بهم
- 312 -