جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧١

العقلي، وبقدر ما يكون المتكلم واقعا تحت تأثير أحد هذين الأمرين يكون متحرراً من تأثير الأمر الآخر، فحكمة الحكماء نابعة عن العقل ولا أثر فيها لسلطان العاطفة، وشعر الشعراء من وحي العاطفة ولا أثر فيه للعقل، ولذلك كان في كلام الحكماء إقناع العقل وفي كلام الشعراء إمتاع العاطفة، فلو أمعنت النظر في قول الحكماء: «الحكم على الشيء فرع تصوره لوجدته ينجذب إليه عقلك انجذابا لأنها حقيقة لا يماري فيها العقل لكنك لا تجد في قولهم هذا ما يحرك ما سكن من مشاعرك، أو يؤجج ما خمد من عواطفك، ولو طرق سمعك قول امراء

القيس:

«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل لوجدت نفسك تفيض مشاعرها وتتحرك أوتار شعورها حتى ليكاد قلبك ينخلع من بين جنبيك فيطير مما استهواه من كلام يتدفق بفيض عاطفي، لكنك لو فتشت من بين هذا الكلام عن حقيقة تقدمها غذاء لعقلك فإنك لن تعود بشيء إلا بما يعود به الظمآن الذي يلاحق السراب ولا تكاد تجد في كلام الناس ما يجمع بين طلبة العقل ومتعة الوجدان في آن واحد، أما القرآن الكريم فيما أنه كلام الله المنزه عن الانفعالات والتأثيرات الذي وجهه إلى الفطرة الإنسانية فهو يجمع في ثنايا عباراته بين ما يمتع الذوق ويرهف الحس وبين ما يغذي العقل ويرضي الضمير سواء كان خطابه في الأمر والنهي أو في الوعد والوعيد، أم في القصص والأمثال، أم في الوعظ والتذكير، فلو نظرت مثلا إلى قول الحق سبحانه والَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَس ذلِك بأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَ اللهُ الْبَيْعَ وحرم الربا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى الله وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الله الله (17) لوجدت من

(البقرة)

-70 -