الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٩والسماء ما كان أعلى الأرض، وسنتكلم إن شاء الله عنها فيما
يأتي، والصيب لا ينزل إلا من جهة السماء، فالاخبار عنه أنه من السماء؛ إما لمزيد الكشف والبيان لأجل التهويل والتعظيم، نحو قول امرئ القيس:
كجلمود صخر حطه السيل من عل
مع العلم أن الحط لا يكون إلا من أعلى، ومنه قوله تعالى: فأمطر علينا حجارة من السماء (1)، وإما للدلالة على غزارة الصيب لانحداره من جميع جهات السماء، بناء على اعتبار كل أفق
6
سماء، وأن التعريف للجنس، وهو قاض بعموم جميع مدلولاته وهذا هو توجيه الزمخشري، وفيه نظر لأن دلالة التعريف الجنسي
على العموم إنما هي في جزئيات الكلي لا في أجزاء الكل،
وإما للاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه، وليس ملاكه في أيديهم
6
وقد اشتهر عند العرب التعبير عما ألم بالناس ولم يكونوا يملكون دفعه بأنه نازل من السماء، وهو توجيه الإمام محمد عبده، وبناه على أن المقصود بالصيب في المثل الإرشادات الإلهية التي تسنح للأفكار عندما ينقدح ضوء الفطرة، وهو أمر وهبي واقع ما له من دافع. ولا يخلو هذا الوجه من النظر أيضا، فإن المتبادر هنا من كون الصيب
من السماء أمر مشاهد؛ وليس حقيقة معنوية معقولة.
حسي
6
والأصل أن لا يعدل عن المتبادر إلى غيره، وبهذا يتضح أن التوجيه الذي ينبغي أن لا يعدل عنه
الأول هو
1 - سورة الأنفال: الآية (32)
- 399 -