الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٣الأواب الذي وقف حياته كلها على عبادة ربه، ولم يترك شيئا مما في وسعه من الطاعات إلا فعله، ولا شيئا من المنهيات إلا جانبه لذهبت تلك النعمة بهذه الأعمال كلها، فما بالك بهذا البحر الواسع من النعم، مع أن التوفيق لصالحات الأعمال هو نفسه من أجل الآلاء وأوسع المنن بحيث لا يمكن لإنسان أن يفي بشكره على أي حال.
والجنات جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر الملتف بعضه على بعض مأخوذة من جن بمعنى ستر، لأن شجرها ساتر لأرضها ولمن كان داخله، واشتقاقات هذه الكلمة كلها دالة على الستر كالجنون والجنين والجن والجنان، فالجنون ساتر للعقل، وسائرها مستورة، وتطلق الجنة على الشجر نفسه، كقول زهير: كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا فإن مراده بالجنة النخل، ومن العلماء من ذهب إلى أن اسم
الجنة لنفس الشجر لا للأرض ذات الشجر.
وفي تشويق الله سبحانه وتعالى إلى الدار التي أعدها للأبرار يوم القيامة، وتسميتها جنات تنويه بقيمة النباتات وعظم نفعها، ففي تلك الدار قصور شامخة لا يتصور العقل علوها، غير أن الله سبحانه لم يسمها المدينة أو نحوه من الأسماء الدالة على المباني، وإنما سماها جنة، وهذا لأن كل شيء يألف ما كان إلى جنسه أقرب، ويشتاق ما كان إلى وصفه أدنى، والإنسان والنبات مشتركان في الحياة وإن اختلف نوع الحياتين، بعكس المباني فإنها وإن راقت
- 463 -