الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٤يتصاممون ويتعامون عن قوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا»؟ وقد يكون الشيء نافعا في أمر ضارا في غيره؛ فتحل منفعته وتحرم مضرته، ويكفي من منفعة الطين كونه مادة البناء غالبا في كل العصور، أما تحريم أكله فهو بدلائل أخرى، وقد رويت فيه أحاديث، ومضرته كافية في التحريم.
وجوز الزمخشري أن يكون المراد بالأرض الجهة السفلية كما تطلق السماء على الجهة العلوية، فتدخل الكرة الأرضية نفسها فيما خلق للناس، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، وصاحب المنار، واستبعده ابن عاشور
من وجهين:
أحدهما: أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية
إلا مجازا كما قال الشاعر: الناس أرض بكل أرض وأنت من فوقهم سماء أما السماء فقد أطلقت على كل ما علا فأظل، والفرق بينهما أن الأرض شيء مشاهد، والسماء لا يُتعقل إلا بكونه شيئا مرتفعا. ثانيهما: لو سلم هذا القياس فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا نفسها حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى، وإنما تطلق السماء على شيء عال (1)
والذي دعاهم إلى هذا التأويل حرصهم على اعتبار الأرض
1 - التحرير والتنوير حـ 1 ص 379، الدار التونسية للنشر
- 524 -