الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٣الحديث وبعض المعتزلة، وذهب آخرون إلى الوقف، وهو المحكي عن أبي الحسن الأشعري وعن المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة حسب نقل ابن عرفة، وهو الذي يقتضيه كلام ابن العربي في أحكامه، والقرطبي في تفسيره
وأصحاب القولين الأخيرين يرون أن الآية الكريمة لم ترد لتشريع حكم، وإنما نزلت للإمتنان وبيان تكريم الله تعالى للإنسان، وأنت تدري أن الإمتنان بما تعود مغبته بالمضرة على الممتن عليه لا يكون من الحكيم تعالى، لأن عقوبة الحرام لا يوازيها
الإنتفاع به. واستدل فريق من العلماء بالآية على تحريم أكل الطين لأن الله لم يقل أنه خلق لنا الأرض، بل قال: هو الذي خلق لكم ما في وهو استدلال في منتهى السفسطة، فإن الخلق ليس هو لأجل الانتفاع بالأكل فقط، وإنما هو لأجل المنافع المتنوعة، فمن
الأرض
المخلوقات ما يكون صالحا للأكل، ومنها ما يكون صالحا للبس
6
ومنها ما يكون صالحا للركوب
،
6
ومنها ما يكون صالحا للتداوي ومنها ما يصلح للبناء به، إلى غير ذلك من المنافع المتنوعة التي لا يكاد الإنسان يحصيها، ولو كانت المنافع محصورة في الأكل لما كانت نعمة في اللباس، ولا في الافتراش ولا في غيرهما، وهل يبني الناس مساكنهم، ويغرسون بساتينهم، ويحرثون زروعهم إلا على ظهر الأرض؟ أوليس في ذلك كله نعمة بها على الإنسان؟ وأعظم منه تهيئة الأرض لأن تكون قرارا للناس. والعجب من هؤلاء كيف
- 523 -