جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨

واستخدمها في مصالحه، وانتفاع أي حيوان بالأرض وما فيها انتفاع نسبي محدود بينما انتفاع الإنسان مطلق لا حدود له فهو ينتفع بالحيوانات البرية والبحرية، والنباتات المختلفة، والجمادات المتنوعة، والمعادن التي لا تُحصى انتفاعا متنوعا، بحيث يستخدم الشيء الواحد في مصالح

شتي

ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها

الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات ـ وإن تعاقبت عليها

وغيرها

،

القرون وتوالت عليها الأحقاب - لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإدارية، والصناعية، فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرمات البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسميا، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم، ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزُوى لهم الفضاء، وقس على ذلك بقية مطالب الحياة، وقُل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح للناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يُعد

-^-

٨٨٦ / ١٬٨٩٨