جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٠

فيه بأنه جاعل في الأرض خليفة ولا ريب أنهم كانوا مدركين لما سوف يصدر من هذا الجنس المستخلف من أنواع الفساد في الأرض وهم قد فطروا على صفاء السرائر وسلامة النفوس. وصدق الحديث، وقد فهموا من توجيه هذا الخطاب إليهم أنهم مطالبون بأن يبدوا ما في طوايا نفوسهم تجاه هذا الخبر وهم قد خامرهم منه العَجَبُ فلا غرو أن أجابوا بما أجابوا به مما ينم عن استغرابهم لهذا الأمر وطلب كشف الحكمة لهم

من ورائه.

أن

واختلف في سبب معرفتهم من شأن هذا الجنس المستخلف الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها؛ قيل: إنهم علموا ذلك بإعلام الله لهم، وهو مروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فقد أخرج ابن جرير عنهما وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: إنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضَ خَلِيفَةً} (البقرة: الآية (30) قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة، قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، وقيل: إنهم عرفوا ذلك بعد أن قرأوه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وقيل: عرفوه بقياس الجنس البشري على الأجناس التي كانت تعمر الأرض من قبل فأفسدت فيها وسفكت الدماء، وقيل إنهم فهموا ذلك بنظرهم إلى أحوال الإنسان الفطرية، فهو ذو إرادة واسعة واختيار واسع، وعلمه لا يحيط بجميع وجوه المصالح والمنافع فإذا ما عنت له أعمال متعارضة واحتاج إلى الترجيح

بينها ربما انساق في ترجيحه إلى غير الصالح النافع لقصور علمه

٩٠٨ / ١٬٨٩٨