الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣١ولم يأت في الباب شيء مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وغالب ما قيل مبني
على التخمين، والأولى أن يوكل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه مع احتمال كبير لأن يكونوا فهموا ذلك من طبيعة فطرة الإنسان، فهو كما
قيل ذو إرادة تمكنه من الخروج عن الجبلة إلى الاكتساب، وفي نفسه قوى متعارضة أهمها العقل والشهوة والغضب، وقد تدعو الشهوة ـ كما هو شأنها - إلى الانسياق وراء الفساد وعدم المبالاة بما يترتب على هذا الإنسياق من مضار بالغة بالنفس أو الغير، كما يدفع الغضب إلى الانتقام من الغير انتقاما لا حدود له، والعقل وإن كان له سلطان على صاحبه فإنه سرعان ما يضعف ويتزلزل أمام عواصف الشهوة والغضب فهما قوتان مؤثرتان على النفس المجبولة على الرغبة فيما تتطلبانه، وماذا عسى أن يصنع العقل إذا غشيته غواشيهما من كل جانب فصار كنور الذبالة بين الزوابع الهوجاء، ولا غرو في معرفة الملائكة بذلك، فإنهم ذوو نفوس زكية، وأرواح قدسية لا يستغرب معها أن يعرفوا طبيعة الشيء باطلاعهم على طريقة تكوينه غير أنهم مع ما جبلوا عليه من الصفاء النفسي لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء، فقد فاتهم أن الله عز وجل سيستصفى من هذا الجنس المستخلف عبادا متقين أخيارا يعملون بأمره، ويقفون عند حكمه، ويسخرون ما آتاهم الله تعالى من قوى جسمية وروحية في طاعته التي يقتضيها خلقهم واستخلافهم في الأرض، وأن مواهبهم العقلية ستقوى - بهداية الله ـ فتسخر قواهم الغضبية والشهوانية فيما تتطلبه هذه الخلافة
- 31