جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٦

الملائكة قدوة لسائر الخلق في مثل هذه المواقف، ويتضمن جوابهم هذا الإعتذار عن الإنباء بالأسماء، فكأنهم قالوا ربنا إنك لم تعلمنا هذه الأسماء فلا سبيل لنا إلى معرفتها حتى نقدر على الجواب، ثم ردوا علم كل شيء إليه تعالى حيث قالوا: إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الْحَكِيمُ} - الآية 32 البقرة ـ وهذه الجملة هي تذييل وتعليل لما تقدم، فإن من شأن الجمل المصدرة بإن إذا عقبت حكما أن تكون تعليلا له كما يتضح

ذلك

لمن استقرأ ما جاء من مثله في القرآن وفي الكلام العربي منثوره ومنظومه وعليم بوزن فعيل وهو من أوزان المبالغة، ولذلك يطلق في المخلوقات على ما يكون كالطبائع والسجايا من صفاتها، فإذا وصف أحد بأنه عليم أدركت أن العلم صفة ملازمة له، وهكذا يقال في صفتي السميع والبصير ونحوهما، ومن هنا لا يطلقون هذه الصيغة على ما يحدث عرضا، فلا يُقال فيمن علم مرة إنه عليم وإنما يخصون ذلك بمن كان العلم ملكة راسخة في نفسه

وفي تعريف المسند والمسند إليه مع توسيط ضمير الفصل بينهما ما لا يخفى من تأكيد وصفه تعالى بالعلم بحيث لا يعد غيره جديرا بوصف العلم لأنه تعالى وحده المحيط بكل شيء علما، وعلم كل من عداه لا يوازي شيئا بجانب علمه الأزلي الذي لا يخرج شيء عن حيطته، دقيقا كان أو جليلا، ولهذا كان هذا القصر حقيقيا ولم يكن ادعائيا، فإن كل عدا الله وإن علم شيئا فإن علمه مسبوق بالجهل، وعلمه بذلك الشيء نسبي فإن ما يجهله من أحواله أكثر بكثير مما يعلمه بخلاف علمه

من

- 56 -

٩٣٤ / ١٬٨٩٨