الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٦يكن في ماضي أمره حسب علانيته كافرا، والصحيح ما استحسنه ابن
عاشور وهو
أن «كان» هنا دالة على رسوخ معنى خبرها في اسمها وإلا فالأصل أبي واستكبر وكفر، ولما أريد تعميق مفهوم الكفر الذي انطوى عليه إبليس ليكون سامعوا خبره على بينة من أمره جيء بكان كما فعل في قوله عز وجل: إلا امرأته كانت من الغابرين (الأعراف: 83)، وقوله: ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون) (النمل: 41)، وعدل عن نحو وكان كافرا إلى وكان من الكافرين مع أنه لم يكن له ثان في الكفر يومئذ فضلا عن وجود مجموعة من الكافرين ينضم إليها لأن التعبير المعدول إليه أدل على تعمق الكفر فيه وتمكنه منه، فإن الواحد يزداد تمسكه بمبدئه وإصراره عليه إذا علم أن له شركاء يساندون رأيه ويقفون معه، فإبليس وإن كان هو الإمام للكافرين ورفضه لما أمره الله به هو الخطوة الأولى إلى الكفر، فإن استشعاره أنه سيكون له أتباع وأعوان وشركاء فيما اختاره لنفسه من الكفر كان له حافزا إلى الإصرار على ما أخلد إليه والعياذ بالله، وقد ذكر الاستكبار هنا مجملا وبين في قوله تعالى حاكيا عنه: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتُه مِنْ طِين (ص: 38، الأعراف: (12) وفيه دليل على أن منشأ استكباره نظره إلى العنصر الذي خُلق منه، والعنصر الآخر الذي خُلق منه آدم، ولم يدر بباله أن قيمة كل أحد عمله وليست عنصره، وفي هذا عبرة للذين يتفاخرون بالأنساب ويتكلون على الأحساب تاركين العمل الصالح جانبا عنهم كأنما يجازي الناس يوم القيامة بأنسابهم.
- 76 -