الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٩ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان» ثم قرأ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُم الفقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ) - (الآية 268 البقرة) (1). وكانت هذه خطوة يخطوها الإمام إلى إيضاح رأيه الذي اقتنع به، ثم جاءت الخطوة الثانية في قوله: وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء الى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يُقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي سمى في لسان الشرع ملكا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها و به قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، فلا يعلم إلا الله عَلامَ يختلف
من
(1) المنار - الجزء الأول ص 267 - الطبعة الرابعة
- VA -