الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٦326
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى/ج
التيسير عليهم ورفع الحرج عنهم فحقوقهم مصانة وهي كحقوق المسلمين إلا ما ندر لخصوصية معينة، فقد كفلت الشريعة لأهل الذمة الحياة الكريمة إذ بموجبها سقط عنهم واجب الخدمة العسكرية وثبتت لهم الحماية لأنفسهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفي إسقاطها عن الرهبان والصبيان والزمني مظهر من مظاهر التيسير عليهم ودفع الحرج عنهم.
وفي كفالتهم من بيت مال المسلمين مظهر آخر من مظاهر التيسير
عليهم.
وقد أقرت هذه الشريعة جميع ما يتمتع به المسلم من حقوق لأهل الذمة إلا ما يعود إلى مهام السلطة التنفيذية لئلا يلزمون بأمور لا يؤمنون بها. فأقرت لهم حق الحياة وجميع ما يثبت في شريعتهم، وأفرتهم على دينهم من الخمر والخنزير ونحو ذلك، وأعطتهم حق الجوار وما يترتب عليه من بر وصيانة وقررت الحرمة لبيوتهم فلا يدخل عليهم إلا بإذنهم، وسمحت لهم بإنشاء المعابد والبيع مع ما اشتملت عليه من صور التعايش مع المسلمين.
فقد كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء وجوز فقهاء المسلمين بذل الصدقة لهم إذا كانوا فقراء وزادت الصدقة عن حاجة المسلمين، كما أجازوا الصلاة في كنائسهم، واعتبر فقهاؤنا أجسادهم طاهرة، وأسقط عمر الله الله لفظ الحزية عنهم وضاعف عليهم الصدقة وذلك لنصارى العرب من بني تغلب لما أنفوا من لفظ الجزية وأجازت الشريعة نكاح حرائرهم، وصححت أنكحتهم، وأوجبت الوفاء بالعهد لهم، وأجازت التحاكم إلى قضاة المسلمين وكل ذلك من صور العدالة والعدل من أعظم مقاصد الشريعة وينتظم كل ذلك في قول الله تعالى: ﴿لَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].