الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧الفصل السابع: في القواعد الأصولية المتعلقة بالمصلحة والمفسدة
407
هكذا تفعل البدع والأهواء في الشرائع. لقد أراد الله أن تبقى شريعة محمد بيضاء ناصعة كالمحجة البيضاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهيأ الله لها من يصونها من التحريف والتبديل. فاشتغل علماء الأمة ببيانها واستنباط أحكامها وهيأ الله لكتابه أئمة فضلاء وقرّاء نجباء بحيث لو زيد فيه حرف واحد لاستخرجه آلاف الأطفال الأصاغر فضلاً عن القرّاء الأكابر وصدق الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ والمبتدع الله ناقص وأنه ببدعته قد استدرك على الله. تعالى الله
أن
ببدعته يزعم شرع
عن
ذلك.
لذلك توعد الله المبتدعين بأشد الوعيد، كالذود عن الحوض، لما وعدم قبول العبادة وكونه ملعوناً على لسان النبوة،
الله. أحدثوا في دين
وغير ذلك من الوعيد.
لذلك كان من مقاصد هذه الشريعة إخراج المسلم من داعية هواه ليكون عبداً الله. قال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَعَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 37 - 41] وإخراج المسلم من داعية الهوى لا يكون إلا بالاتباع وترك الابتداع. ومن هنا حذر القرآن من الهوى وجعله إلهاً يعبد في الأرض من دون الله قال تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ وَأَضَلَهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23] قال علّامة الجزائر محمد أطفيش من أئمة الإباضية تعليقاً على هذه الآية: ما عبد إله في الأرض أبغض من «الهوى وقال ابن عباس «ما ذكر الله
الهوى إلا ذمه» (1).
(1) «تيسير التفسير» 51/ 10.