الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٦406
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 1
فتنة بين المسلمين إلا بقدر ما أحدثوا من حدث في هذا الدين. فبالبدع وجب البراء وسقط الولاء وبالبدع سالت دماء وذهبت أموال وانتهكت أعراض. والبدع افتئات على شرع الله واستدراك على الله ورسوله في التشريع وادعاء بأن الدين ناقص وأن الله لم يكمل شرعه حتى كمله صاحب الهوى وهذا فساد كبير.
وأهل البدع يحملون أوزار بدعهم وأوزار من عمل بها وأنهم يذادون
عن الحوض بما أحدثوا في دين الله ما لم يأذن به الله.
وبهذا يتبين لنا أن البدعة لها علاقة واضحة بمقاصد الشريعة.
لأن
من مقاصد هذه الشريعة أن تبقى كاملة غير منقوصة، محفوظة غير محرَّفة ولا مبدلة، وهذا الأمر منوط بالاتباع وعدم التلاعب بأمر الدين زيادةً ولا نقصاناً. فما دخل التحريف على الشرائع السابقة إلا بالتلاعب فيها زيادةً ونقصاً من الأحبار والرهبان وهذا هو السر في أن الله لما تكلم عن حفظ التوراة والإنجيل أسند حفظهما إلى الأحبار والرهبان فحرفوهما. ولما تكلم عن حفظ القرآن قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] فلم يجز التبديل عليه قال الشاطبي رحمه لله: حكى أبو عمرو الداني في «طبقات القراء» عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت يوماً عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن فقال القاضي: قال الله وعمل في أهل التوراة: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] فوكل الحفظ إليهم فجاز التبديل عليهم، وقال في القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: (9) فلم يجز التبديل عليه قال علي: فمضيت إلى أبي عبد الله
المحاملي فذكرتُ له الحكاية فقال ما سمعت كلاماً أحسن من هذا.
(1) «الموافقات،92/ 2 دار ابن عفان، ط أولى.