المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١=
51
الفصل الأول: أحمد بن أبي بكر الفرسطائي وكتابه قسمة الأرضين
وقد توفرت لأبي بكر أحمد بن محمد الفرسطائي كل عوامل النبوغ والتألق، فقد عاش في بيئة علمية قوامها شيوخ وعلماء جدًا وأبا، وتنقل بين بلاد جبل نفوسة في رحلة العلم زائرا مكتباتها ومتلاقيًا مع شيوخها وعلمائها الذين شهدوا له بالنبوغ منذ صغره. فقد تملك علامات النبوغ ومقومات الرغبة في التعلم حتى إن شيخه أبا الربيع قال ذات مرة أثناء حضوره حلقة العلم إن كنت أعقل وأتفرس، فإن هذا الفتى (يقصد أحمد ابن أبي بكر) يحي دين الله» (1).
ويشير الوسياني الذي كان حيًا سنة 557 هـ / 1161 م إلى وجود مكتبة بالجبل كانت من المكتبات الكبيرة، وتحتوي على عدد هائل من المؤلفات، وتشير المصادر إلى أن أبا بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر ـ صاحبنا ـ اجتهد في قراءة كتب هذه المكتبة بنفسه في أربعة أشهر، لم ينم خلالها سوى ساعات بسيطة، ويقدر عدد الكتب التي رآها بثلاثة وثلاثين ألف كتاب (3).
وقد ساعدت نشأة الفرسطائي في بيئة علمية، وكذلك ما تمتع به من صفات الذكاء والقدرة على التحصيل من خلال قراءاته الواسعة في مكتبات بلاد جبل نفوسة على نضوجه علميًا، ذلك النضوج الذي انعكس في مؤلفاته العلمية الدينية، تلك المؤلفات التي كتبها في أواخر سني حياته؛ حيث ذكرت المصادر أنه «لما دنت وفاته أودع علومه الكتب، فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتابًا، وكتابًا آخر تركه في الألواح (أي مسوده)، وهو كذلك
حتى يومنا هذا» (3).
(1) الفرسطائي: القسمة، الطبعة الثانية، مقدمة المؤلف، ص 27 عن الفرسيائي (أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (مخطوط).
(2) الكوردي: الحياة العلمية في جبل نفوسة، ص 76.
(3) الدرجيني (أبو العباس أحمد بن سعيد): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم بن