الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

-

148 -

-

الأمير قد أهل هلال ذى الحجة ولم يبق من الوقت ما يكفي للسفر بين البصرة ومكة. فأطاق الأمير سراحه. ولما وصل جابر إلى منزله بدأ يشد الراحلة على ناقة له. كان يعدها للحج.

ويقول: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، ثم سأل آمنة هل

عندك شيء؟ فقالت له نعم وأحضرت الزاد في جرابين …

وطلب منها ألا تخبر أحداً بمسيره في ذلك اليوم، وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت الناقة الأرض بحرانها، وتجلجات، فقال الناس: ذكها! ذكها! …

فقال له حقيق لناقة رأت هلال ذى الحجة في البصرة، وأدركت الناس في محرمات، إلا أن يفعل بها هذا. وسلمت الناقة وكان قد سافر عليها أربعاً وعشرين مرة بين حجة وعمرة.

وإنه من ناقلة القول أن أتحدث عن دين جابر وخلقه، وخوفه لربه، واتباعه للسنة، وابتعاده عن البدعة، وفهمه العميق لأسرار الشريعة. ومحاسبته لنفسه، وحملها على ما تكره النفس البشرية إذا كان في ذلك، قربة إلى الله عز وحل.

اشتهر عن جابر أنه لا يماكس في ثلاث: في كراء إلى مكة، وفى عبد يشترى ليعتق، وفى شاة للتضحية، وكان يقول: «لا نماكس في شي نتقرب به إلى الله تعالى». وإذا وقع في يديه ستوق كسره ورمي به لئلا يفر به مسلم

والستوق الدرهم المغشوش -.

امتلأ قلبه بالإيمان بالله، وفاض على لسانه دعوة مخلصة إلى دين وعلى جوارحه عملا صالحا بما يرضى الله. قالت هند بنت المهلب: «كان جابر ابن زين أشد الناس انقطاعا إلى والى أمى، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله