الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢٠

بعثة علية

لقد اخترت أن أستعمل فى هذا العنوان كلمة (بعثة علمية) وإن كان هذا الاستعمال إنما حدث فى هذه العصور المتأخرة التي تعتنى فيها الدول والهيئات بإرسال طلاب العلم إلى مكان العلم. أما في ذلك العهد الذي أكتب إ عنه فلم يكن هذا الاستعمال القوى معروفاً. ذلك أن الرغبة في طلب العلم هي أمنية كل نفس فى ذلك الحين. وكان الارتحال في طلب العلم هو الفرض الثاني للشاب المسلم في عملية الجهاد في سبيل الله، ولهذا فقد اختار القرآن الكريم لهذا المعنى كلمة تدل على الصبر والكفاح والجلد. تلك الصفات التي يتطلبها الجهاد في كلا الميدانين. فقد قال تعالى في سورة التوبة

ما يلي:

وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فاولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا

في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون (1) *

فقد استعمل كلمة نفر فى الاستعداد والاندفاع إلى الحرب كما استعملها في الاستعداد والارتحال إلى طلب العلم. والذى يدفع المسلم في ذلك الحين إلى ميدان القتال، أو إلى معاهد العلم إنما هو الباعث النفسي للقيام بالواجب في حماية الدعوة وتأمينها من عدوان السلاح أو حمايتها وتأمينها من عدوان الجهل. فالمجاهد في سبيل الله إنما يقوم بواجب لا ينتظر عليه أجراً يدفع إليه من الناس، وطالب العلم لا ينتظر نفقة تصرفها دولة أو تمده بها جمعية

أو هيئة.

(1) التوبة: 122

١٨٧ / ٧٩٩