الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ١١٠أبو بكر وابن عرفة
كان ابن عرفة صديقا حميما لأبى بكر قبل أن يتولى الإمامة، وزاد من صداقتهما وتوثق العلاقة بينهما تلك المصاهرة المزدوجة. وقد كانا يتشابهان في كثير من الأخلاق والصفات والميول. ويختلفان في قليل منها، ومما كانا يتشابهان فيه: الجمال والمال والجود ورواية الأشعار والأدب والأخبار، وحسن المسامرة والحديث، والأخذ بنصيب من طيبات الحياة الحلال. ومما كانا يختلفان فيه أن محمداً بن عرفة كان محباً للظهور، مغرماً بالمظاهر، يهوى العظمة، يصطنع الأتباع، ويستكثر من الحواشي. ويسعى إلى قضاء مصالح الناس لتلتف حوله القلوب وتسير وراءه الجموع، أما أبو بكر فقد كان يجب أن يعيش على النسق الذى عاش عليه في عهد أبيه، يميل إلى البساطة، ويبتعد عن المظاهر، ولا يهتم بكثرة الحواشي والأتباع، ولا يتخذ المواكب الحافلة التى تملأ الشوارع من ورائه بالهتاف والدعاء. تتحرك إذا تحرك وتسكن إذا سكن.
وكان ابن عرفة لا يرى من أبي بكر إلا الجانب الأدبى الشعرى ولذلك فقد كانت نفسه تحدثه بآمال طوال عراض عندما يصل أبو بكر إلى الإمامة. فقد كان يعتقد أنه يستطيع أن يملأ أوقات أبي بكر بالسمر الحلو والحديث العذب والشعر الرائق والأخبار الحسان وأن يشغله بالأدب وأخبار الماضين عن قضية السياسة والحكم ومشاكله وبذلك يتاح له أن يتصرف في الدولة تصرف الوزير الخطير. وجعل يسعى إلى هذا برفق ويأمل أن يصل إليه بقليل من الأناة والتبصر.