الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٦٩

-199 -

9 - أوصى بنيه فقال لهم: يابني .. إذا كان إبان غلتكم فتولوها بأنفسكم ولا تولوها غيركم حتى توصلوها موضع حرزكم. فإن لم تكونوا أصحاب غلة ولم يكن لكم بد من شرائها فاشتروها ما دامت في أصولها ولا تتركوها حتى تصل إلى الحرز فيصعب إحراجها. وإن لم تكونوا أصحاب غلة ولا قادرين على شرائها وتنزتم إلى طلبها فاطلبوها قبل دخولها إلى الحرز، فيسهل عطاوءها ـ والثانية إن كنتم في بلد فأول ما تلتمسون لأنفسكم السكن، فإن من سكن فى مسكن غيره، فإما أن يكون عنيا. وإما أن يكون فقيراً. فإن كان غنياً ووسع على نفسه سماه الناس مبذراً وإن ضيق سموه مقتراً، وإن كان فقيراً قالوا ليس وراء هذا إلا الأذى بالدخول والخروج. ومن كان فى مسكنه يستر عليه غناه وفقره، ولا يعرف الناس له عيباً ـ والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبداً. والذى تخلقون من ثيابكم فيه بقية ومنفعة للصيف المقبل، وكف للألسنة عنكم

-

أحسب أن هذه الوقائع التي نقلتها للقارئ الكريم تضع إطاراً عاماً جامعاً للصورة التي نحاول أن نرسمها لهذا الرجل العظيم في شخصه وفى سلوكه. وهل ترى أكرم ممن ينفق في المحل لا يترك شيئاً لنفسه وأهله ولا يفضلهم بشيء على غيرهم بل ويتحسس رغباتهم وشهواتهم فإذا أحس أنهم قرموا إلى اللحم عمد إلى خيار ماله فذبحه لهم، وهل ترى أعظم ممن يلتجئ إليه الزعماء الذين تطاردهم دول وجيوش حتى إذا وصلوا إليه وجدوا في كنفه الأمن والسلام والعيش الرغيد والحياة الكريمة

•

وهل تجد أتقى الله ممن تفوته صلاة الجماعة مرة واحدة لانشغاله بعمل

٣٣٦ / ٧٩٩