الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٧٤

-

174 -

-

فلوي عنان فرسه إلى المزرعة ودخلها راكباً يطرد عنها البقر ولم يتحرج مما قد تطأوه أرجل الفرس أو المهر أو ما عساه يختطفه المهر وهو يجرى وراء أمه وقدر أنه يباح له هذا الضرر الفليل ليبعد عن المزرعة الضرر الكبير.

كان أبو نوح سعيد بن يخلف متواضعاً كريماً سهل الخلق طيب النفس لا يتكلف ولا يتملق عظماء الناس، ولا يتظاهر بالغنى أمامهم أو يترفع عنهم. وعندما وقعت مجاعة محرقة بسبب جفاف طال أمده في الجزائر وتونس، وفساد في الحكم امتد وطال، وفتن عمياء كانت توقد نيرانها نزاعاً على السلطة فلا تنطفئ؛ ارتحل أبو نوح بمواشيه إلى الأراضي الليبية وقد اختار لها تلك السهول الفسيحة الممتدة بين البحر وزوارة من الشمال وجبل نفوسة من الجنوب. وقد زاره هناك الإمام الكبير أبو نوح سعيد بن زنفيل أيام محنته حين كان يطارده الظالمون من أتباع الدولة العبيدية فيتنكر فى ثياب رعاة الإبل فمكث عنده أياماً فكان يقدم له (العصيدة باللبن) وهى أكلة ليبية معروفة يتقنها أهل البادية وأشباههم ويميلون إليها لسهولتها وخفة مؤنتها فكان يقدمها في حياء ويقول للإمام: كل ياشيخ فإني لا أعتذر لمن أدعو له بالجنة وأرجو أن يكون من أهلها».

وأبو نوح سعيد بن زنفيل حينما ذهب إلى وارجلان وبقى في ضيافة أبي صالح جنون تحير أبو صالح في طعامه وبحث فلم يجد في وارجلان كلها إلا امرأة واحدة حاذقة بألوان الطهى فخصصها للإشراف على ما يقدم لأبي نوح وكانوا يحسبونه مرفها. كان أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو في ضيافة أبى نوح سعيد بن يخلف حين يقدم إليه طعامه (عيش ولبن)

٣٤١ / ٧٩٩