الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢١٥

أبو عمار عبد الكافى (1)

أبو عمار عبد الكافى بن أبى يعقوب التناوتي نادرة من نوادر الزمان في الذكاء والفهم والحفظ والرغبة في العلم نشأ في وارجلان ودرس على مشائخها فنون علوم الشريعة واللغة حتى أجازوه، ثم رأى أن يسافر إلى تونس ليزداد علماً في فروع أخرى من المعرفة، وكانت تونس في ذلك الحين قصبة القصاد ومعدن العلم والمعرفة، ومقر فطاحل العلماء والأعلام، فاختار أبو عمار من بينهم من أعجبته طريقته فى التدريس وأنس إلى أسلوبه في التعلم والمعاملة فالتزم مجلسه

كان أبو عمار من أسرة غنية موسع عليها في الرزق الحلال فلما أراد السفر إلى تونس اتفق مع أسرته أن يبعثوا إليه ألف دينار كل سنة لمصاريفه وما يحتاج إليه من كتب وأدوات دراسية وإكراميات المدرسين فكان يأتيه المبلغ كل سنة مع رسالة فيحتفظ بالرسالة في مكان دون أن يقرأها

ويقسم الألف نصفين يسلمه لأساتذته ونصف يحتفظ به لمصاريفه وحاجياته

واستمر على هذه الطريقة حتى بلغ من العلم درجة تؤهله لأن يكون من كبار العلماء فأذن له أساتذته أن يستقل عنهم وأجازوه للفتوى والتدريس. وهنا فكر في الرجوع إلى وطنه وبدأ يستعد لذلك وتذكر الرسائل المحفوظة فاستخرجها من مكانها مرتبة وبدأ يقرؤها واحدة بعد الأخرى فوجد في كل واحدة مها أخباراً كانت حرية أن تشغل ذهنه أيام التحصيل والكفاح لو أنه اطلع عليها بل كان فيها ما هو جدير أن يحمله على قطع الدراسة ولكنه تلافى ذلك

(1) من أئمة الفرق السادس، ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة.

٣٨٢ / ٧٩٩