الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٣١٤-
و فعلا قدمت الحكومة - وما بالعهد من قدم ـ لبعض أئمة المساجد بميزاب مبلغاً معتبراً من شأنه أن يستهوى العابد الزاهد فرفضه قائلا: «إما أن تتركوني أقوم بهذا الواجب ابتغاء ما عند الله، وإما أن اعتزل إمامة الصلاة ولا منزلة بين المنزلتين». ولهذا السر تركت الحكومة الجزائرية أمر أئمة المساجد الإباضيين فى ميزاب حراً، ولم تعتبرهم من سلك موظفى الأوقاف كما هو شأن غيرهم من الأئمة في سائر القطر الجزائرى والحق أن الضلع الأكبر في بقاء الجامعة الإباضية في ميزاب محتفظة بطابعها الحقيقى: طابع الدين والخلق الكريم المتين يرجع الفضل فيه إلى هذه المؤسسة الجليلة فهى العقال الذى قيد الأمة عن الانحراف وراء تيار التحلل والتفسخ، وعن الانحراف عن سواء السبيل، والحاجز الذي أوقف الجماهير بعيداً عن الاسترسال وراء الشهوات والحظوظ النفسية
•
فكم نال أفرادها في سبيل الاضطلاع بحملها أذى كثير. سجن وتغريم وتعذيب وفتنة وإذلال وإهانة. فلم يصدهم شيء من ذلك عن أداء رسالتهم نصرة للدين و نصحا الله ولرسوله فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (1)
فإذا لم تكن ثمة حياة أحلى لدى القائمين بدين الله من مصارعة الباطل (وياما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين) وإذا كان لا يهنأ بال القاسطين ما رأوا الحق يشق طريقه نحو هدفه، وأنصاره يزدادون في إقراره ونشره ثباتا ونشاطا
فإن حياة العزابة لا تسكون إلا حياة صراع مستمر ضد الباطل في شتى
(1) ل عمران: 146