الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٥

مقدمة

في هذه اللمحات القصيرة أردت أن أعرض صفحات عن الإباضية، أضعها بين أيدى المثقفين من الأمة، وليست هذه اللمحات شيئاً بعيد المنال، يحتاج إلى تقصى البحث، وإطالة التنقيب، وإنما هي صور يجدها عن كثب كل من خلصت نيته في طلب الحق، ودعته العزيمة الصادقة إلى الاطلاع على مصادر الشريعة لأهل هذا المذهب، ودرس كتب السير والتاريخ المنصفة، التي تحدثت عنهم، من موافقيهم

ومخالفينم.

والمذهب الإباضى ليس مذهباً سريا، وليست أصوله التي ينبني عليها خافية أو مجهولة، وليس أتباعه ممن يستترون أو يختفون، فهم لا يقيمون لغير الله وزنا في هذا الوجود، ولا ينتظرون عن أعمالهم جزاء من غير الله، ولا يتبعون في تصرفاتهم غير الحق

إنه مذهب ملأ الدنيا حقا وعدلا واستقامة، وضرب المثل الأعلى في النزاهة والإنصاف في أدوار من التاريخ، وسيملأ الدنيا بذلك عندما يأذن الله. ولست أقصد بذلك مثل خرافة الإمامة عند الشيعة، ولا قصة المهدى المنتظر، وإنما أقصد أن أقول: إن المذهب الإباضي يستمد قوته من الإسلام، الذي اختاره الخالق ليكون دين البشرية جمعاء، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لم ينحرف به عن صراط الله السوى غلو ولا تفريط، ولم تنتشر فيه الخرافة التي يبنها مشائخ طرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الاجتهاد، ويقصرونه على عصر أو ناس لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه. وتعطل العلوم والأفهام، فلا تعطى حق الحرية فى البحث والتنقيب وإعطاء الأحكام.