الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٦

يدعوى أن الاجتهاد أغلقت أبوابه، واحتفظ الفقهاء الجامدون بالمفاتيح في محباً

صرى لا يهتدى إليه الباحثون.

ربهم

قلت: إن المذهب الإباضي، يستمد قوته من الإسلام نفسه، لأنه يحتفظ بصفاء النبع الذي يصدر منه، وعندما يثوب المسلمون إلى رشدهم، ويعودون إلى دين، نظيفاً من البدعة، نظيفاً من الخرافة، نظيفاً من الغلو، نظيفاً من الجمود، ونظيفاً من الأباطيل التي ألصقها جهل الإنسان بدين الله القويم. عند ذلك يجد المسلمون أنفسهم على الإسلام الحق، الذى ملأ الدنيا رحمة وعدلا، واستقامة ونزاهة وحقاً. وعلى ذلك الإسلام الحق لا تزال هذه الطائفة التي سماها التاريخ فرقة الإباضية، وأمر أن يجعل لهم إماماً كما لغيرهم من الفرق أئمة. ولو أن إمامهم الحق الذى لا يهتدون بغير هديه، ولا يقلدون سواه، إنما هو محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ليس لغيره حق الإمامة إلا بالأسوة الحسنة، والتتبع للسنة الحميدة القويمة، والإيمان المطلق بأن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والعمل، هو الهدى الذى أمر الله أمة محمد أن يكونوا عليه. وإذا جارى الإباضية المؤرخين، وانتسبوا إلى عبد الله بن إباض، واتخذوا لهم اسما كما لسائر الفرق أسماء، فلا يعنى ذلك أنهم يقلدون الرجال، ويقدسون أقوالهم، ويتبعونهم اتباعاً أعمى، ويرفعون أولئك الرجال إلى مراتب الكمال، التي لا يصلها إلا أنبياء الله المصطافون، وإنما يحرصون أن لا يأخذوا دينهم إلا على من توفرت لهم فيه الثقة والأمانة في دين الله: الأمانة في القول، والأمانة في العمل.

والإباضية لا يقدمون الرجال، ولا يجعلونهم علامة على الحق، ولا يوجبون تقليد غير المعصوم، ولا يتبعونهم مالم يثبت الدليل الشرعي صواب مسلكهم، أو يرد النص بأنهم على هدى محمد عليه السلام، كما شهد الحديث الشريف لعمار رضى الله عنه، ولبعض الصحابة رضوان الله عليهم.