الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٩

- 349 -

-

ما

وإلى الاستمرار في الدراسة، بلغت سن المراهقة وتفتحت فيها براعم الجمال وأشرقت عليها أنوار الشباب بعد غضارة الصبا وبراءة الطفولة. وكان هذا التحول في شخصيتها من طفلة تلفها البراءة، إلى صبية تطفو عليها مسحة الجمال المغرية - بيا فى تغير سلوكها. فقد لاحظت أن أعين الزملاء تنظر إليها نظرات تحمل معالى مجهولة لم تكن تحس بها من قبل. وأحست بجو جديد فى بينها وبين أسرتها وهمسات عنها عندما يحسبونها في غفلة. وفهمت كانوا يوشوشون به، وأدركت أنهم يفكرون في قطعها عن الدراسة وعدم السماح لها بالذهاب إلى مجالس العلم وهى على أبواب البلوغ وقدرت أنه ستثور بينها وبين أهلها معركة حامية تكون فيها هي المغلوبة لا محالة إذا لم تعرف كيف تعد لنفسها أسباب النصر. وفكرت في قضيتها في هدوء تفكيراً سليماً قبل أن يفكر أفراد أسرتها ومدرسوها بجد. وجاءت ذات يوم إلى أبيها تطلب منه أن يشترى لها حصيراً من النوع الخفيف غير العريض وطلبت من أمها أن تحضر لها عباءة، ولما سألها والدها عن سبب الطلب شرحت لهم وجهة نظرها فهى تريد أن تستمر في دراستها على مشائخها وتريد أن لا ينشغل بها أحد وتنشغل به. ووافق الوالدان على الطلب، واستطاعت أن تضمن لنفسها الدراسة دون أن تثير عليها غضب أحد أو نقده، ودون أن نتبذل أو تستهتر، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلفعة في عباءتها الساترة الحاجبة فإذا بلغت المجلس جلست قريباً من شيخها، ثم أدارت على نفسها الحصير وتحققت في العباءة فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها ولكنها كانت تستمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة حتى بلغت ما بافت واشتهرت بين رجال العلم بمعارفها وسعة اطلاعها وفصاحتها. وأصبحت الأنظار متجهة إليها في احترام وتقدير

هذا

٥١٦ / ٧٩٩