الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٦٨

-

- 68 -

-

في هدوء واتزان، لا يشغلون أنفسهم بالصخب الداوي الذي ليس له نتائج، ولا يلقون بأنفسهم في الكفاح الكلامي الذي يهدف إلى مظاهر العظمة والنفوذ في الدنيا، ولكنهم مع كل ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الحق، وإثبات أدلته، وعندما يقتضى الموقف الرد على أباطيل المدعين، وترهات المبتدعين،

وشبهات المفترين، فإن علماء الإباضية يكونون أسرع الناس إلى تحطيم الباطل الذي يريد أن يستعلن، أو الشبهة التي يبتغى صاحبها أن يكسوها ثوب الحجة، وما أن يحطموا الباطل، ويفحموا أصحابه، حتى يعودوا إلى العمل في سبيلهم الذي مهدوه، وسلوكهم الذى اختاروه؛ عمل صالح الله والأمة، واستمساك متين بالكتاب والسنة، ودؤوب لا ينقطع لإعلاء كلمة الله. يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتبعون سبيل الله الذي حدده الإسلام، وأوضحه هدى محمد عليه السلام. كفاح لا تصاحبه ضجة. ونصر لا تسبقه دعوى، ولا يعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة. وجدل حى هادئ لا يصخب ولا يلعن، ولكنه يقطع طريق التحدى، عن الأهواء والبدع، ويلزم الباطل أن يهوارى فلا يستعلن، ويتضاءل

فلا يبين

كان واصل بن عطاء إمام المعتزلة، يتوق إلى مجادلة أبي عبيدة مسلم، ويعد المدة لذلك، حتى سنحت له الفرصة ذات يوم، وجمعهما مكان، فقال واصل لأبي عبيدة: أنت الذى تقول: إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: لا، ولكنى أقول يعذب على المقدور. ثم قال أبو عبيدة لواصل: أنت الذي تقول: إن الله تعالى باستكراه؟ فعجز واصل وسكت عن الجواب. فقيل له بعد ذلك؛ سألته فتخلص، وسألك فسكت، فقال واصل: بنيت له بنيانا منذ ثلاثين سنة، فهدمه وهو واقف. (1)

يعصى

(1) - العامة والمبتدئين ص 6 ها شه رقم 1