الحلقة الأولى
الجزء ١ · صفحة ٩٥-
-
يخيم على الظالمين، والتوجس والخوف الذي يسود أعمالهم وحركاتهم، ولذلك فقد اشترط لهذا التنظيم، شروط قاسية لا يقبلها إلا الفدائيون، الذين وهبوا حياتهم الحياة الأمة، وذلك أنه لا يحل لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسسة، أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقروا في أمكنتهم، أو يتخلوا عن رسالتهم، حتى ينتهى الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم، وعندما تضطر بهم الظروف أحدهم إلى منزله لشأن من شؤون تمديد الثورة، كالتزود، فإنه يعتبر في منزله غريباً مسافراً يقصر الصلاة! ولكنه عندما يكون في شعف الجبال، أو بطون الأودية، يقطع المواصلات على الطفاة، أو يهدم الجسور التي تمر بها القطر الظالمة، أو يقتلع أسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله وبين أهله، وهم في كل ذلك لا يحل لهم أن يروعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين. إنه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عندما تتحكم الظلم، ويستعلى عبيد الشيطان، وتعطل أحكام الله بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق «الشراء من أخص أوصاف الإباضية).
فإذا رضيت الأمة بالذل، واستسلمت للظلم، وجرى عليها حكم الطغاة، ولم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة، ولا لشرف الرسالة التي أعزت الإنسانية، وتغلب حب الدعة على كل فرد، وركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكون
حتى الفدائية التي تقض مضاجع الظالمين، وتذكرهم أن حكمهم لن يقر، وأن كراسيهم لن تستقر، وأن المقاومة لاتزال هى أمل المؤمنين، وأنهم سوف يحاسبون أمام الله والأمة حساباً عسيراً.
إذا ضعفت الأمة حتى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظم الأخير الكتمان. وعندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين