البلاغة
الجزء ١ · صفحة ٥٨9 - بلاغة التشبيه
لقد علمت أن التشبيه هو أحد الأساليب البيانية، وهو أحد موضوعات علم البيان، وهو ميدان فسيح تتبارى فيه مواهب الشعراء والبلغاء، وتتنافس فيه قرائحهم، أيهم يحرز قصب السبق في ميدانه، فيأتي بالبديع الغريب الذي يأخذ بتلابيب النفس ومجامع القلوب، ولعل أسلوب التشبيه والاستعارة من أكثر الأساليب دلالة على عقل الأديب وسعة خياله وقدرته على تمثيل المعاني في صورة خلابة بديعة طريفة
ونجد من الأدباء من يشبه الشيئين بالشيئين كقول بشار بن برد: كَانَ مَشَارَ النقع فَوْقَ رُؤوسِنَا وأَسْيَافَنَا لَيْل تَهَاوِي كَوَاكِبَه فقد شبه مثار النقع بالليل، وشبه السيوف بالكواكب المتهاوية. ومن الشعراء من شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، كقول ابن المعتز:
بذر وليل وَغَصْنُ وَجْهٌ وَشَعْرٌ وَقَ
فقد شبه البدر، بالوجه والليل بالشعر والغصن بالقد، وهذه التشبيهات جميعها مقلوبة مبالغة في وصف الممدوح، ومنهم من شبه أربعة أشياء بأربعة أشياء، كقول امرئ القيس يصف فرساً.
له أيطلا ظبي وساقا نعامة وارخاء سرحان وتقريب تتفل فقد شبه خاصرتي الفرس بخاصرتي الظبي وشبه ساقيه بساقي النعامة، وشبه ارخاءه بارخاء السرحان (أي الذئب)، وشبه تقريبه (أي الجمع بين يديه عند الجري بتقريب التتفل وهو ولد الثعلب.
54