البلاغة (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) مصطفى محمد الفكي بابكر

البلاغة

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وهكذا يتبارى الشعراء في التشبيه واظهار الطريف منه

ولعل بلاغة التشبيه تنشأ من أنه ينتقل بالسامع المتلقي من الشيء نفسه إلى شيء طريف بديع يشبه ذلك الشيء فيعقد بينهما المشابهة، وكلما كان وجه الشبه بين الشيئين طريفا وبعيدا كان أكثر روعة وجمالا، لأنه يحتاج إلى استعمال لقلة العقل خطوره بالبال.

فانظر إلى قول المتنبي:

بليت بلى الأطلالِ إنْ لم أقف بها وقوف شحيح ضاعَ فِي التَّرْبِ خَالِمة إنه يدعو على نفسه بالهلاك إن لم يقف على أطلال محبوبته، ولكن ما نوعية هذا الوقوف؟ إنه وقوف رجل بخيل قد ضاع خاتمه في التراب، فهو يبحث وينقب عنه في حزن وحيرة، ينتقل من مكان إلى مكان بين ربوع ذلك الطلل.

فمن كان يوفق إلى مثل هذا التشبيه غير المتنبي؟

ثم انظر أيضاً إلى قول أبي مسلم الرواحي:

خفاف كالصواعق أن يشدوا جبال في حلومهم الثقال لقد شبه سرعتهم في اختطاف أعدائهم بالسيوف وحز أعناقهم بها شبههم بالصواعق الخاطفة، إنهم في سرعة البرق، ولاشك أن الصاعقة مصحوبة بالخوف والهلاك لا يملك من يتلقاها إلا أن يخر على الأرض صعقا كما أن من اسرار بلاغة التشبيه أيضا أنه يبعث في النفس الأنس

والإنشراح حين يخرجها من الشيء الخفي إلى الواضح الجلي، وذلك في تشبيه المعنوي بالمحسوس الذي يكون مشاهدا في الواقع فانظر إلى قوله

00