البلاغة (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) مصطفى محمد الفكي بابكر

البلاغة

الجزء ١ · صفحة ٦٠

تعالى: (والذينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كرمان اشتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يومٍ عَاصَفٍ) انظر إلى روعة التشبيه وجماله، تصور ذلك الرماد الخفيف تهب عليه ريح عاصف، ماذا يكون حاله، هل يبقى منه شي؟ هل يكون له وجود؟ ذلك مثل أعمال الكافرين جعلها الله هباءً منثوراً.

وكقوله تعالى: (والذينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يستجِيبُونَ لَهُمْ بِشيءٍ إلا

كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماء ليبلغ فاه وما هُوَ بِبَالِغة).

تصور ذلك الذي يحاول أن يشرب الماء بكفيه وهو مفرق بين أصابعه فهل تحمل كفه ماء؟ وهل يصل شيء من الماء إلى فيه؟ كلا، كذلك فإن الذين يدعون من دون الله من مخلوقات إنما مثلهم كمثل ذلك الذي يحاول إيصال الماء إلى فمه وهو مفرق بين أصابعه، لهذا فإن التشبيه بالمحسوس

يرسخ في النفس لأنه مشاهده، وكما قيل: «ليس الخبر كالعيان».

»

والتشبيه كذلك يختصر لك المعنى الكبير في لفظ قليل، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: كُنّ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلِ» فالغريب لا يثقل نفسه ولا يكثر من علاقاته بالدنيا، فهو لا أرتباط له في بلاد الغربة، فلا يلبث بعد الحلول أن يزول

وللتشبيه بلاغة من حيث الصورة الكلامية التي يوضع فيها، فأقل التشبيهات مرتبة ما وجدت به أركانه الأربعة وأعلاها بلاغة التشبيه البليغ

حيث أنه يقوم على ادعاء أن المشبه هو عين المشبه به ولا فارق بينهما

وتورد أخيراً شيئاً مما جرت العرب في اجراء التشبيهات به فهم يشبهون الكريم بالبحر، والحليم بالجبل، والأماني الكاذبة بالأحلام، والكلام بالدرر،

•

56