البلاغة
الجزء ١ · صفحة ٨٩10 - بلاغة الاستعارة
لقد سبق تعريف الاستعارة أنها تشبيه حذف أحد طرفيه، والتشبيه إنما يستمد بلاغته من انتقاء العلاقات البعيدة والطريفة بين الأشياء، فيعقد بينها المشابهة، وأبلغ أقسام التشبيه هو التشبيه البليغ لأنه يقوم على تجاهل الفوارق وإلغائها بين المشبه والمشبه به، فكيف إذن بالاستعارة؟!
إن أحد طرفي التشبيه محذوف مجحود في الاستعارة، ومن هنا ينبع ر بلاغتها، فروعتها وجمالها تحملك على تناسي وجود التشبيه الخفي المستور المحذوف الطرف.
إنها تقدم لك المعاني الثمينة في صياغة لفظية متينة كقول عبدالقاهر الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة:
ومن خصائصها أنها تعطيك الكثير من المعاني حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني التي من خفايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تناولها الظنون»
إن المجال بلاشك فسيح أمام فرسان الكلام ليتسابقوا ويتباروا في الابتكار، وروعة الخيال، فاسمع لقول الله تعالى في النار: (تَكَادُ تَميّز من الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير).
إنك تتصور وأنت تقرأ هذه الآية النار في مخلوق ضخم جبار، مكفهر
85