البلاغة (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) مصطفى محمد الفكي بابكر

البلاغة

الجزء ١ · صفحة ٩٠

الوجه عبوسه، يغلي صدره غيظاً وحقداً وغضباً (تكاد تميز من الغيظ)، أي تتمزق من الحقد والحنق على العاصين، إنها مخلوق حي يحوي في طواياه كرهاً وغيظاً وغضباً. لكنه يكظم جميع ذلك ويكاد أن يتقطع من شدة تفاعله الداخلي، ذلك، ذلك هو مشهد النار الذي تصوره لنا الآية.

واسمع كذلك لقول أبي مسلم الرواحي إذ يقول:

إِذَا اسْتَصْرَخْتَهُمْ شَبُوا سَعِيراً وضَعَ النَّجْمَ قَنْقَعَةُ النّصَالِ

إذا دعوت هؤلاء القوم للقتال شبوا كالسعير لا يتعللون ويتعذرون إنهم السعير الذي لا يطاق حمية وعزة وأنفة، ثم انظر إلي جمال التعبير ودقة التصوير وروعة الاستعارة في قوله «وصخ النجم قعقعة النصال»، النجم الذي يبعد عنا ملايين الأميال يصاب بالصمم، لماذا؟ بسبب قعقعة السيوف التي يحملها هؤلا القوم. ما أجمل هذا التعبير وما أروعه، وما أوسع خيال قائله حتى كأن سعة خياله السعة بينه وبين ذلك النجم المصموم.

لقد أودع الشاعر في النجم الحياة وأكسبه الحركة، إنه يسمع ويصاب بالصمم، وتلك صفة من صفات الأحياء، فما الذي سوغ له هذا الاستعمال؟

إنها الاستعارة.

ذلك ما تبثه الاستعارة في النفس من روعة، وما تبعثه في الوجدان من أنس إلى التعبير حتى يكاد يسحر العقل بحسن بيانه وجودة صياغته إنه اختيار الألفاظ وانتقاء العلاقات ثم اقامتها في مواضعها مع حسن

التشكيل والانسجام.

•

86