البلاغة
الجزء ١ · صفحة ٩٨17 بلاغة المجاز المرسل
-
المجاز المرسل هو أحد قسمي المجاز اللغوي، وهو أحد فنون الإيجاز في القول، فأنك إن قلت قرر المجلس كذا فذلك أوجز من قولك «قرر أهل
المجلس كذا».
كما تتبين من خلال المجاز المرسل المهارة الأدبية في حسن تخير العلاقات بين المعنى الأصلي والمجازي، بحيث يبدو المعنى مصوراً خير تصوير بدقة وإمعان.
انظر إلى قوله تعالى في سورة نوح: (وإني كَلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لتغفَرَ لَهُمْ جَعَلُوا أصابعهُمْ في آذانهم، إنه يصور مدى استكبار الكافرين وعنادهم بل رفضهم الشديد الاستجابة وسماع صوت الحق والهدى، إنهم مصرون على ضلالهم، ولذلك يضعون أصابعهم في آذانهم، وإلا فآذانهم لا تتسع لأصابعهم كاملة، وإنما هم يدخلون أطراف الأصابع فقط لا كلها، ولكنهم يدخلونها بعنف وقوة ليسدوا بها آذانهم فلا يتسرب شيء من الصوت إلي داخلها، وكأنهم يودون لو أدخلوا أصابعهم كلها
•
فانظر ما أجمل هذا التصوير، إنه مجاز مرسل علاقته الكلية.
ثم انظر إلى قوله تعالى في نفس السورة السابقة: (إِنَّكَ إِنْ تذَرْهُمْ يُضِلُّوا عبادَكَ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا)
إن وجود الظالمين يوجد بيئة كافرة وجواً كافراً، وأين ستولد هذه الناشئة
وهؤلاء الصغار، إنهم سيولدون ويتربون في أحضان هذه البيئة الكافرة التي تغطي جو هذه البيئة بالأباطيل والأضاليل، فمن أين سيتسرب النور إلى هؤلاء الصغار؟ إنهم سيتربون على تلك التقاليد ويألفون تلك الأوضاع،
94