أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي أحمد بن حمد بن راشد الذهلي

أحكام جراحة التجميل

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

أحكام جراحة التجميل | في الفقه الإسلامي

وقد دلت الأدلة الكثيرة على إباحة التداوي بالمحرم من ذلك حديث العربيين حديث أنس عند الإمام الربيع وعند الشيخين وعند أصحاب السنن أن العرنيين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فاستوخموا المدينة المنورة فأباح لهم النبي صلى الله عليه وسلّم التداوي بأبوال الإبل، وهذا لأجل ضرورة هذا التداوي.

وهكذا نجد أن الضرورات يباح معها ما كان محجورا، فلذلك قلنا بأن التداوي بالدم بإدخاله في جسم المريض لا يمنع، ولكن لا بد من مراعاة أمور من ذلك أن يكون الدم المتبرع به زائدا عن حاجة المتبرع، فإنه إن كان مضطرا بنفسه فليس له أن يتبرع، إذ الإنسان لا يقتل نفسه ليحي غيره، فإن قتل النفس حرام والله تعالى يقول) ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: من الآية 195)، ويقول تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عنوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (النساء:29 - 30)، إلى غير ذلك من الأدلة التي تشدد في هذا، ومن ذلك أن يكون النفع – نفع الدم - لذلك المريض المتبرع له أمرا متيقنا، ومن ذلك أن يكون هذا بضبط وبدقة من قبل طبيب دقيق المعرفة يستطيع أن يعرف قدر ما ينفع ولا يضر سواء بالنسبة إلى المأخوذ منه أو بالنسبة إلى المأخوذ له، فنحن ندعو لمراعاة هذه الضوابط وهذه الأحوال، والله تعالى أعلم.

السؤال:

هل حكم التبرع بالدم يختلف عن حكم التبرع بالأعضاء، وما حكمكم على عملية التبرع بالأعضاء

الجواب:

التبرع بالدم له خصائصه التي يتميز بها عن التبرع بالأعضاء، فمن ذلك أن العضو لا يشرع للإنسان بتره في أي حال من الأحوال إلا عندما يضطر إلى أن يفصله عن جسده بخلاف الدم فإنه تشرع فيه الحجامة ويشرع فيه القصد، ومعنى ذلك أن العضو لا يزيد عن حاجة الإنسان بخلاف الدم فقد يزيد عن حاجة الإنسان بل ربما كان تكاثره يؤدي به إلى الإضرار كما جاء (لئلا يتبيغ بكم الدم) ولذلك شرع القصد وشرعت الحجامة لأجل هذا، أما العضو فلا، ثم إن العضو لا يمكن أن يعوض، العضو لا يعوضه شيء، فالعضو لا ينبت من جديد، فمن فصل من الإنسان جزء منه إن أخذت عينه أو إن قدرنا إلى الأعضاء الظاهرة قطعت يده أو قطعت رجله أو بالنسبة إلى الأعضاء الباطنة لو أخذت كليته أو أخذ أي شيء من جوارحه فإن ذلك لا يمكن أن يعوض، الجسد لا ينمو نموا يعوض بسببه عضو مبتور بخلاف الدم فإن الدم يتعوض بالتغذية، والتغذية لا تسد مسد العضو عندما يبتر من الإنسان فلا ينبت فيه من جديد بسبب التغذية.

ثم إن العضو مهما كان الحالة، العضو هو مفصول عن الحي، ومن فصل عن الحي فهو ميت والدم لا يوصف بذلك، ثم إن العضو له حرمة، ومن بين هذه الحرمات أنه عندما يفصل من الإنسان بسبب من الأسباب كان يكون عضوا مصابا بشيء من الأمراض الخطيرة يشرع فيه أن يدفن، له حرمات بخلاف الدم فإنه يراق، إلى غير ذلك من الأمور التي يتميز بها العضو عن الدم، ومعنى ذلك أن للدم خصائص غير خصائص العضو، فلذلك يمكن أن يفرق بينهما.

إلا أن جماعة من العلماء المعاصرين نظرا إلى الظروف المعاصرة وكثرة الاحتياجات التي طرأت أباحوا التبرع بالأعضاء التي يحتاج إليها احتياجا شديدا من غير أن يكون هنالك ضرر على العضو كالتبرع بإحدى الكليتين لأجل أن الكلية الأخرى تسد مسدهما، أي تغني عن الكلية الأخرى، فهكذا أباح العلماء ذلك، ولكن مع هذا نحن نؤكد أيضا أن الإنسان الأصل فيه أنه لا يملك جسده، وهذا لا بد من أن يشرط بأنه لا يجوز أن يكون في مقابل ثمن لأن الإنسان ليس له أن يبيع جزءا من جسده إذ الإنسان يملك منفعة جسده ولا يملك الجسد نفسه، فهو يملك منفعة العضو ولا يملك العضو نفسه.

(159)