أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي أحمد بن حمد بن راشد الذهلي

أحكام جراحة التجميل

الجزء ١ · صفحة ٣١

أحكام جراحة التجميل | في الفقه الإسلامي

ويقول القرطبي: "كرمنا" تضعيف، كرم أي جعلنا لهم شرفا وفضلا، وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال، وكلامه هذا يعني علو الشرف والفضل وبذلك لا يكون مبتذلا في أي وقت من الأوقات.

وهذه الكرامة يدخل فيها الإبداع الخلقي على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وكذلك حمل بني آدم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى ابن آدم، وخلق سبحانه له عقلا وإرادة وجعل له قصدا وتدبيرا، وليس ذلك فحسب، بل خص الله ابن آدم باللذيذ من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع في حيوان اتساع بني آدم لأنهم يكسبون المال خاصة دون سائر الحيوانات ويلبسون الثياب

ويأكلون المركبات من الأطعمة وجعل أكلهم بأيديهم دون غيرهم من المخلوقات. ثم كان من الفضل الإلهي أن كرمهم بالنطق والتمييز بين الأشياء وخاطبهم ربهم بمقتضى ما خلق من عقول وهي عمدة التكليف وبها يعرف الله ويفهم كلامه ورزقهم سبحانه من الطيبات وهي لذيذ الطعام والشراب وفضلهم على كثير من

الخلق بالغلبة والاستيلاء والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة" (1).

ووجه الدلالة هنا أن الله سبحانه وتعالى قد امتن على الإنسان بالتكريم بحسن الصورة واعتدال القامة وغيرها فكان لزاما عليه المحافظة عليها وله إعادتها في حالة تعرضها لتشوه أو غيره إلى وضعها الأصلي.

ومن مظاهر تكريم الله لهذا المخلوق العجيب أن أمر الملائكة بالسجود له سجود تكريم قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكفرين) البقرة: 34 وجعل له الصدارة على كل شيء، ولما كانت الصدارة تحتاج إلى حسن الهيئة وجمال المنظر جاء خلق الإنسان على أحسن تقويم قال تعالى: (لقد خلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقويم) التين:،، وقال: (الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَ لَكَ فِي أَتِي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ الانفطار: 7 - 8، فبان كرم الله على ابن آدم في هيئته؛ حيث جعله على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة الكاملة فكان حريا بالإنسان أن يتفكر وينظر في نفسه قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ) الذاريات: 21 وينظر إلى ما حوله من نعم جعلها الله لخدمته قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ

(1) الجامع لأحكام القرآن محمد بن أحمد القرطبي، ت 671 هـ، ج 1 ص 293 دار الشعب، القاهر، ط 2،1372 هـ، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، 224 هـ - 310 هـ، ج 15 ص 29، دار الفکر، بيروت، 1405 هـ.

(27)