استقلال السنة بالتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٨٩استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية
دراسة تأصيليـ
أقواله وظنونه في شؤون الدنيا:
أما عن أقواله وظنونه (502) في أمور الدنيا فقد أسلفت الحديث أنه على قول من أجاز الاجتهاد في حقه وهو قول عموم الإباضية فلا يجوز الخطأ في حقه، بل على تقدير من أجاز الخطأ فلا يمكن إقراره عليه، بل يكون الوحي مصوبا ومصححا، وتشهد على ذلك وقائع كثيرة من كتاب الله تعالى، وهذا ينسجم مع دلالة الوحي، فالوحي لا يخطئ، ولا يمكن أن يكون الحكم الصادر عنه ظنا.
،
وعليه فإن اجتهاده يعد سنة تشريعية لا يجوز ردها سواء اعتبرنا ذلك وحيا بطريق الأصالة أو باعتبار المآل (503)
502) ومما تجدر الإشارة إليه أن الظن يدخل في قسم السنة القولية، ذلك لأنه لا يتمثل في الخارج إلا على صورة قول مروي، وقد ذهب البعض إلى استثناء الظن من مفهوم السنة، ومن هؤلاء الشيخ فتحي عبد الكريم حيث يقول: "ولا شك أن ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام مما يفيد الظن لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا إباحة ولا يستفاد منه أي حكم تكليفي ولا يعد بالتالي سنة"، يقول الباحث محيي الدين بن قدرت السمرقندي معقبا على ما ذكره الشيخ فتحي بعد أن نقل كلامه: "ويبدو للباحث أن هذا الاستثناء غير صحيح، لأن ظن النبي صلى الله عليه وسلم كظن أي إنسان لا يوجد في الخارج إلا في صورة قول من الأقوال، والقول لا شك في اشتمال تعريف السنة عليه، لأن التعريف ينص على أن جميع ما يصدق عليه وصف قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة من السنة".
وقد مثل الباحث على ذلك بما جاء في حديث تأبير النخل، وخصص مبحثا كاملا لدراسة دلالات حديث تأبير النخل، وخلص إلى أن الحديث لا يشمل كل المعاملات، بمعنى أنه لا بد من النظر إلى كل واقعة بعينها من أعيان المعاملات بدلالات الأحاديث الأخرى، ولا يمكن تعميم لفظ أنتم أعلم بشؤون دنياكم على سائر المعاملات. (انظر: محيي الدين بن قدرت السمرقندي، تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1429 هـ - 2008 م، ص 48، ص 177). 503) كتب الباحث حاتم العوني مقالا حول إثبات وحي السنة في أمور الدنيا والدين، وخرج بأن السنة كلها وحي حالا أو مالا، إلا أنه أخرج من جملة ما ذكر ما أطلق عليه اسم "حوادث الأعيان التي لا عموم لها، ومثل لها بما يحكم به صلى الله عليه وسلم على سبيل القضاء والإمامة والسياسة، وأخرج ما جاء على هذا النحو من دائرة الوحي، وقال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يحكم فيها بحكم، ولا يصوب، ويكون مخالفا للواقع، لأن الخطأ في هذه الأمور لا يؤدي إلى خطأ في التصور للأمة كلها إلى قيام الساعة … ، لذلك لو أخطأ النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأمور ولو لم يصوب هذا الخطأ لا يكون في ذلك خطر على صحة تبليغ الشريعة الخ"، وقد استدل المؤلف على ما قاله بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم
171