استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية: دراسة تأصيلية أحمد بن سالم بن موسى الخروصي

استقلال السنة بالتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية

دراسة تأصيلية

على أن هذه القضية تحتاج إلى مزيد نظر وتمحيص، ونظر دقيق يشمل استقراء وقائع السنة المطهرة لبيان مدى دخول الظن في مفهوم السنة الموحى بها، وإخراج ما يمكن إخراجه عن هذا الإطار، وليس هذا محل بيان هذا المطلب.

تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من حديد" قال المؤلف: " وذكرت أنه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يجتهد في حوادث الأعيان التي لا عموم لها ويخطئ، ولا يصوب الوحي خطاء".

غير أن في هذا التوجيه شيئا من الإشكال، ذلك أنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحكم بحكم الظاهر، والحديث الذي ذكره المؤلف يدل على ذلك، يقول محشي الترتيب في بيان بعض دلالات هذا الحديث: "وفيه: أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته، فلا إشكال في كونه صلى الله عليه وسلم يحكم بحكم الظاهر، ولكن الإشكال في إقراره على الخطأ إن جعلنا مخالفة حكم الظاهر للباطن خطأ.

ودلائل القرآن الكريم تدل على أن الوحي كان حاضرا فيما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم أو أراد أن يقضي به، ولعل من أوضح الدلائل على ذلك قصة ابن أبيرق اليهودي، فقد كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم عليه لولا أن الوحي الإلهي قد برأ ساحته، مما يدل على عدم الإقرار على الخطأ، وهذا كما ذكرت إن قلنا بوقوعه، كما يمكن أن يستفاد ذلك أيضا من إعلام الله تعالى نبيه بأمر المنافقين وأعيانهم، فالنبي كما هو معلوم إنما يحكم على الأشخاص بحكم الظاهر، وربما حكم على أحد ظاهرا بما هو مخالف لحكم الله عليه باطنا، فإعلام الله تعالى له بهم دليل على توجيه الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم في سائر أحواله.

ولذا فلا وجه لإخراج هذا النوع الذي اصطلح عليه المؤلف من دائرة الوحي، بهذا الاعتبار الذي ذكرناه.

ويمكن أن ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، ذلك أن الله تعالى قد أمر نبيه أن يحكم بحكم الظاهر على وفق الدلالات الحاضرة لديه، والحديث السالف دليل على ذلك، وذلك باعتباره صلى الله عليه وسلم قاضيا بين الخصوم، فحكمه هو الصواب عينه بغض النظر عن موافقة ذلك الحكم للباطن أو مخالفته، إذ لا يمكن أن يؤمر صلوات الله وسلامه عليه بالخطأ، يقول الإمام السالمي في شرح الحديث: "فقوله: «إِنَّما أنا بشر مثلكم»: أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا يو، ليتم الاقتداء، وتطيب نفوس العباد بالانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، والحاصل أن هنا شيئين: أحدهما طريق الحكم، وَهُوَ الذي كلّف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله ومن شاء من رسله، وهذا لم يقع التكليف يه".

2007 م،

(انظر: حاتم بن عارف العوني، إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية، دار الصميعي، الرياض - السعودية، ط 1، 1428 هـ. ص 53 - 54 / محمد بن عمر، حاشية الترتيب، ج 5، ص 3، مرجع سابق / السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 243، مرجع سابق).

172