القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار
الجزء ١ · صفحة ٣٥القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار
دليل النظام على إنكار القياس:
استدل النظام على أنه يستحيل التعبد بالقياس عقلا بأن العقل يوجب إعطاء المتماثلات حكما واحدا، والمختلفات أحكاما مختلفة، ولكن الشارع قد فرق بين المتماثلات في الأحكام، وجمع بين المختلفات وشرع أحكاما لا مجال للعمل فيها، وذلك كله ينافى مقتضى القياس، لأن مدار القياس على إبداء العلة وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها فى العلة، وأيضا فإن القياس يقضى بالتفريق بين المختلفات، وبه يتبين ألا مجال للقياس في الشرع لتناقض مضمونها، وأن القياس مضاد للشريعة (1).
أما بيان منهج الشارع فى المخالفة والتفريق بين المتماثلات: فهو أنه قد فرق بين الأزمنة في الشرف والفضل، ففضل ليلة القدر والأشهر الحرم على غيرها
وفرق الشارع أيضا بين الصلوات فى مسألة القصر في الصلاة الرباعية دون الثنائية أو الثلاثية، مع أن الصلوات متماثلة، وكذلك أوجب قضاء الصوم على الحائض، ولم يوجب عليها قضاء الصلاة، مع أن كلا منهما عبادة
وأما بيان منهج الشارع في الجمع والاتحاد بين المتخالفات: فهو أنه جعل التراب في التيمم موجبا للطهارة للصلاة كالماء تماما عند عدم الماء أو المرض، مع أن الماء ينظف
الأعضاء والتراب يلوثها
وأما كون الشارع شرع أحكاما لا مجال للعقل فيها، فهو أنه أباح النظر إلى الأمة الحسناء، وألزمنا بغض البصر بالنسبة للحرة الشوهاء أو العجوز القبيحة المنظر، مع أن النفس تميل إلى الأولى وتنفر من الثانية، وأوجب المشرع قطع اليد في سرقة القليل، ولم يوجبه في غصب الكثير، وأوجب الجلد على من قذف غيره بالزنى، ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر، مع أن الكفر أشد وأعظم، وشرط في شهادة الزني أربعة شهود عدول، مع أنه اكتفى فى الشهادة على القتل باثنين فقط، مع كون القتل
(1) القياس لابن تيمية وابن القيم 54، أعلام الموقعين 2/ 52؛ شرح الإسنوى 3/ 25 0 الإبهاج 2/ 13 وما بعدها شرح العضد على مختصر المنتهى 2/ 249
•