الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

149

وكان تعليل هذه الإباحة ـ كما ذكر الدكتور البوطي ـ أن المسلمين فتحوا أعينهم على ما يمتاز به حكام العالم وملوكه، من مظاهر الهيبة والأبهة، في الملبس والمسكن والحياطة والحجابة، فاتجهت الأنظار إلى الأخذ بذلك كله أو شيء منه، واقتنع أكثر الناس، وفي مقدمتهم العلماء والباحثون، بأن الخليفة لم يعد يصلحه - للنهوض بواجباته تجاه الأمة ـ إلا أن يعيش وسط هالة من الهيبة والأبهة والحماية، وإنما يكون ذلك من خلال المظهر الذي يبدو فيه والمسكن الذي يستقبل فيه شتى فئات الناس، والحماية التي يجب أن تحيط به (1).

ما

ومعنى ذلك، أن أولئك الحكام حرصوا على أن ينقلوا إلى حياتهم وجدوه أو عرفوا عنه في حياة الأكاسرة، والقياصرة، من البذخ والإسراف، والتلاعب بأموال الأمة، وعدم الاكتراث بما تكون عليه العامة من البؤس والفقر والحرمان، فلم يكونوا يهتمون إلا بشهواتهم ولا يلتفتون إلا إلى ملذاتهم، وقد سايرهم الفقهاء الرسميون، فجادوا عليهم بالفتاوى السخية التي تبرر ذلك، ولا غرو؛ فإن هؤلاء هم الذين سخوا عليهم، بالتشجيع على ارتكاب المظالم والانغماس في المحارم، مسولين لهم أن لهم عند الله وضعا خاصا بسبب تسلطهم في الأرض، فلا حساب عليهم ولا عقاب!!! كما شهد بذلك الأربعون ليزيد بن عبد الملك، وبهذا تدرك ـ أخي القارئ الكريم - أن هذه الفتاوى إنما بدأت في هذه الأمة في مرحلة مبكرة من حياتها، عندما ابتز بنو أمية الحكم وساسوه حسب هواهم، فأباحوا لأنفسهم ما لم يحله الله تعالى لنبي مرسل ولا لصديق رضي.

ولم تكن هذه الفتاوى الشاذة إلا تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب

(1) السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص 46.